محمد بن علي الشوكاني
5287
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
النسب ، وليس في المؤاخاة الإسلامية الكائنة عن أمره - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - إلا مجرد التعاضد والتعاون على أمور الدين والدنيا ، وهذه سنة نبوية ثابتة لم تنسخ ، ولا ورد ما يرفعها بخلاف التحالف ، فإنه قد نسخ ( 1 ) وارتفع حكمه في هذه الشريعة ، فلا توارث
--> ( 1 ) أخرج البخاري في صحيحه رقم ( 2292 ) وطرفاه ( 4580 ، 6747 ) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما " وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ " [ النساء : 33 ] . قال : ورثة . " وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ " قال : كان المهاجرون لما قدموا على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة يرث المهاجر الأنصاري دون رحمه ، للأخوة التي آخى بينهم ، فلما نزلت " وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ " نسخت ثم قال : { وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ " إلا النصر والرفادة والنصيحة وقد ذهب الميراث ويوصي له . قال ابن كثير في تفسيره ( 4 / 95 ) في قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ } [ الأنفال : 72 ] . ذكر تعالى أصناف المؤمنين ، وقسمهم إلى مهاجرين ، خرجوا من ديارهم وأموالهم ، وجاءوا لنصر الله ورسوله ، وإقامة دينه ، وبذلوا أموالهم وأنفسهم في ذلك ، وإلى أنصار ، وهم : المسلمون من أهل المدينة إذ ذاك ، آووا إخوانهم المهاجرين في منازلهم ، وواسوهم في أموالهم ، ونصروا الله ورسوله بالقتال معهم ، فهؤلاء بعضهم أولى ببعض أي : كل منهم أحق بالآخر من كل أحد ولهذا آخى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين المهاجرين والأنصار ، كل اثنين أخوان فكانوا يتوارثون بذلك إرثا مقدما على القرابة حتى نسخ الله تعالى ذلك بالمواريث . قال الحافظ في " الفتح " ( 4 / 474 ) : قال الخطابي : قال ابن عيينة حالف بينهم أي آخى بينهم ، يريد أن معنى الحلف في الجاهلية معنى الأخوة في الإسلام لكنه في الإسلام جار على أحكام الدين وحدوده ، وحلف الجاهلية جرى على ما كانوا يتواضعونه بينهم بآرائهم ، فبطل منه ما خالف حكم الإسلام وبقي ما عدا ذلك على حاله . قال الحافظ في : " الفتح " ( 4 / 474 ) : واختلف الصحابة في الحد الفاصل بين الحلف الواقع في الجاهلية والإسلام . فقال ابن عباس : ما كان قبل نزول الآية المذكورة جاهلي وما بعدها إسلامي وعن علي ما كان قبل " لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ " جاهلي . وعن عثمان : كل حلف كان قبل الهجرة جاهلي ، وما بعدها إسلامي . وعن عمر : كل حلف كان قبل الحديبية فهو مشدود وكل حلف بعدها منقوض ، ثم قال الحافظ : وأظن قول عمر أقواها ويمكن الجمع بأن المذكورات في رواية غيره ما يدل على تأكد حلف الجاهلية والذي في حديث عمر ما يدل على نسخ ذلك . قال النووي في شرحه لصحيح مسلم ( 16 / 82 ) : المنفي حلف التوارث وما يمنع منه الشرع ، وأما التحالف على طاعة الله ونصر المظلوم والمؤاخاة في الله تعالى فهو أمر مرغب فيه . قال القرطبي في " المفهم " ( 6 / 479 ) : المؤاخاة : مفاعلة من الأخوة ومعناها : أن يتعاقد الرجلان على التناصر والمواساة . والتوارث حتى يصيرا كالأخوين نسبا ، وقد يسمى ذلك حلفا . . . وكان ذلك أمرا معروفا في الجاهلية معمولا به عندهم ولم يكونوا يسمونه إلا حلفا ، ولما جاء الإسلام عمل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ به ، وورث به على ما حكاه أهل السير . ثم قال ( 6 / 483 ) : وسمى ذلك أخوة مبالغة في التأكيد والتزام الحرمة ولذلك حكم فيه بالتوارث حتى تمكن الإسلام ، واطمأنت القلوب ، فنسخ الله تعالى ذلك بميراث ذوي الأرحام .